طاهر سليمان حموده

117

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وقد زهد السيوطي في الحياة ورغب عن المناصب التي كان يشغلها من قبل أو التي حدثته نفسه بالطموح إليها في وقت من الأوقات ، وصمم هذه المرة وقد بلغ السابعة والخمسين من عمره على أن يعتكف في بيته وأن يبتعد عن الحياة بما فيها من زينة بدت زائفة أمام عينيه ، وما بها من مظاهر أصبحت نفسه لا تطيقها ، لا سيما أنه رجل صوفي درس التصوف وانطبعت به نفسه فأحب أن يطبق الجانب العملي منه بعد أن أحاط بالجانب النظري ، فالتصوف كما يعرفه أهله علم وعمل ، ولا يجوز للمتصوف الحقيقي أن يسلك أحدهما دون الآخر وإلا كان عمله مبتورا . ونحن نقرر هنا أن الرجل الذي دافع عن التصوف طيلة حياته ، وألف فيه عديدا من الكتب والرسائل وولى مشيخته في بعض الخوانق قد أراد أن يسلك طريق الصوفية عملا بالتجرد والزهد والاعتكاف ، والانقطاع إلى اللّه والعبادة . ولم يكن هذا الاتجاه - في حقيقة الأمر - شاغلا للسيوطي عن العلم والمشاركة فيه بل إنه ألف في هذه الفترة من حياته كثيرا من المؤلفات ، وقد أتاح له الاعتكاف والاعتزال والابتعاد عن الحياة بمشاغلها الفرصة للعلم والتأليف . وكان السيوطي يقيم في منزل يطل على النيل بجزيرة الروضة بجنوب القاهرة ، وكانت جزيرة الروضة من الأماكن المفضلة في السكنى آنذاك ، وقد أشاد السيوطي بالروضة وجمالها وفضلها في السكنى على غيرها من الأحياء الأخرى « 1 » ، بيد أنه بعد اعتكافه الأخير وانقطاعه كلية في منزله بها لم يكن يفتح طاقات بيته المطلة على النيل « 2 » . وتجلت صور العزوف عن الدنيا وأهلها وزينتها وسلطانها في سلوك السيوطي في عزلته الأخيرة حين كان يأتي الأمراء والأغنياء ويعرضون عليه الأموال فيردها ، وحين أرسل إليه الغوري خصيا وألف دينار فأخذ الخصي وأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية ، وردّ الألف دينار وقال لقاصد السلطان : لا تعد تأتينا قط

--> ( 1 ) مقامة الروضة : روضة مصر ، مقامات السيوطي ص 63 - 68 . ( 2 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 18 ص 35 .